عبد الملك الجويني

304

نهاية المطلب في دراية المذهب

2653 - فأما القول فيما هو أصل السعي ، والنازل منه منزلةَ الركن ، فالأصل التردد بين الصفا والمروة . ثم أجمع الأصحاب على أنه إذا صدر من الصفا إلى المروة حُسب ذلك مرة في السبع ، ثم ينتهي من المروة إلى الصفا ، فيحسب ثانيةً ، وهكذا إلى تمام السبعة ، فيكون الابتداء من الصفا ، والختم بالمروة . وذهب ابن جرير إلى أن الساعي إذا عاد إلى الصفا بعد الانفصال منه ، عُد ذلك مرةً واحدة ، ثم يفعل كذلك سبعاً ، فيتردد بين الميلين أربع عشرة مرة ، وذهب إلى هذا أبو بكر الصيرفي ( 1 ) من أصحابنا ، وعرض تصنيفاً له ، فيه ما ذكرناه على أبي إسحاق المروزي ، فخطَّ ( 2 ) عليه ، فرد التصنيفَ إلى أبي بكر ، فأعاده ( 3 ) ، واستقرّ على مذهبه هذا ، ولا يعتد به أصلاً . ومكان السعي معروفٌ [ لا ] ( 4 ) يتعدى . ومما يجب اعتباره الترتيبُ ، فلو بدأ بالمروة ، وصار إلى الصفا ، فلا يحسب ، وابتدأ سعيه في انفصاله عن الصفا . فهذا ما يتعلق بالشروط ، وما يجري مجرى الركن . 2654 - فأما الهيئات ، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رَقِيَ الصفا بقدر قامة ، حتى بدت له الكعبة ، ولا يمتنع أنه قصد ذلك الرقي ، ثم قال : " الحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده " ( 5 ) . فهذا ما صح عنه . وحسنٌ لو دعا الإنسان بما بدا له ، ثم ينزل ماشياً على هِينَتِه ، حتى يبقى بينه وبين ميلٍ يراه معلّقاً على ركن المسجد ، مقدارَ ستة أذرع ، فيبتدئ السعيَ . وكان ذلك الميل

--> ( 1 ) أبو بكر الصيرفي : محمد بن عبد الله . الإمام الجليل أحد أصحاب الوجوه ، تفقه على ابن سريج ، ومن كتبه شرح الرسالة ، توفي 330 ه‍ ( طبقات السبكي : 3 / 186 ) . ( 2 ) خط عليه أي ألغاه ، وبلُغتنا " شَطَبه " . ( 3 ) أي هذا الكلام الذي خَط عليه المروزي ، و ( شطبه ) . ( 4 ) ساقطة من الأصل . ( 5 ) حديث دعاء السعي ، ورد في حديث جابر الطويل عند مسلم ( الحج ، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 1218 ) .